أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
197
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
به العداوة ، والثاني علّق به إتيان الهدى . وقيل : « لأنّ الهبوط الأول من الجنة إلى السماء ، والثاني من السماء إلى الأرض » . واستبعده بعضهم لأجل قوله : « ولكم في الأرض مستقرّ » . وقال ابن عطية : « وحكى النقاش « 1 » أن الهبوط الثاني إنما هو من الجنة إلى السماء ، والأولى في ترتيب الآية إنما هو إلى الأرض وهو الأخير في الوقوع » . انتهى ، وقيل : كرّر على سبيل التأكيد نحو قولك : قم قم ، والضمير في « منها » يعود على الجنة أو السماء . قوله : جَمِيعاً حال من فاعل « اهبطوا » أي : مجتمعين : إمّا في زمان واحد أو في أزمنة متفرقة لأنّ المراد الاشتراك في أصل الفعل ، وهذا هو الفرق بين : جاؤوا جميعا ، وجاؤوا معا ، فإن قولك « معا » يستلزم مجيئهم جميعا في زمن واحد لما دلّت عليه « مع » من الاصطحاب ، بخلاف « جميعا » فإنها لا تفيد إلا أنه لم يتخلّف أحد منهم عن المجيء ، من غير تعرّض لاتحاد الزمان . وقد جرت هذه المسألة بين ثعلب وغيره ، فلم يعرفها ذاك الرجل فأفادها له ثعلب . و « جميع » في الأصل من ألفاظ التوكيد ، نحو : « كل » ، وبعضهم عدّها معها . وقال ابن عطية : « وجميعا حال من الضمير في « اهبطوا » وليس بمصدر ولا اسم فاعل ، ولكنه عوض منهما دالّ عليهما ، كأنه قال : « هبوطا جميعا أو هابطين جميعا » كأنه يعني أنّ الحال في الحقيقة محذوف ، وأنّ « جميعا » تأكيد له ، إلا أنّ تقديره بالمصدر ينفي جعله حالا إلا بتأويل لا حاجة إليه . وقال بعضهم : التقدير : قلنا اهبطوا مجتمعين فهبطوا جميعا ، فحذف الحال من الأول لدلالة الثاني عليه ، وحذف العامل من الثاني لدلالة الأول عليه ، وهذا تكلّف لم تدع إليه ضرورة . قوله : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ . . . الآية . الفاء مرتّبة معقّبة . و « إمّا » أصلها : إن الشرطية زيدت عليها « ما » تأكيدا ، و « يأتينّكم » في محلّ جزم بالشرط ، لأنه بني لاتصاله بنون التوكيد . وقيل : بل هو معرب مطلقا . وقيل : مبنيّ مطلقا . والصحيح : التفصيل : إن باشرته كهذه الآية بني وإلّا أعرب ، نحو : هل يقومانّ ؟ وبني على الفتح طلبا للخفّة ، وقيل : بل بني على السكون وحرّك بالفتح لالتقاء الساكنين . وذهب الزجاج والمبرد إلى أن الفعل الواقع بعد إن الشرطية المؤكّدة ب « ما » يجب تأكيده بالنون ، قالا : ولذلك لم يأت التنزيل إلا عليه . وذهب سيبويه إلى أنه جائز لا واجب ، لكثرة ما جاء به منه في الشعر غير مؤكّد ، فكثرة مجيئه غير مؤكّد يدلّ على عدم الوجوب ، فمن ذلك قوله : 391 - فإمّا تريني كابنة الرّمل ضاحيا * على رقّة أحفى ولا أتنعّل « 2 » وقول الآخر : 392 - يا صاح إمّا تجدني غير ذي جدة * فما التخلّي عن الخلّان من شيمي « 3 » وقول الآخر : 393 - زعمت تماضر أنّني إمّا أمت * يسدد أبينوها الأصاغر خلّتي « 4 »
--> ( 1 ) محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون ، أبو بكر النقاش عالم بالقرآن وتفسيره صاحب شفاء الصدور توفي سنة 351 ه وفيات الأعيان ( 1 / 489 ) ، إرشاد الأريب ( 6 / 496 ) ، غاية النهاية ( 2 / 119 ) ، الأعلام ( 6 / 81 ) . ( 2 ) البيت للشنفري وهو من شواهد البحر ( 1 / 168 ) ، والأشموني ( 3 / 216 ) . ( 3 ) البيت في الأشموني ( 3 / 216 ) ، التصريح ( 2 / 204 ) ، العيني ( 4 / 339 ) . ( 4 ) البيت لسلمى بن ربيعة انظر الأصمعيات ( 161 ) ، الحماسة ( 1 / 286 ) ، النوادر ( 121 ) ، أمالي ابن الشجري -